السيد علي الحسيني الميلاني

184

نفحات الأزهار

الله صلى الله عليه وسلم وإنه لا يجوز . ولمالك أن يجيب عنه فيقول : هذه الأحاديث ما وصلت إلينا إلا برواية علماء المدينة ، فهؤلاء إما أن يكونوا عدولا أو لا يكونوا . فإن كانوا من العدول وجب أن يعتقد أنهم تركوا العمل بذلك الحديث لاطلاعهم على ضعف فيه ، إما لأجل الضعف في الرواية أو لأجل أنه وجد ناسخ أو مخصص ، وعلى جميع التقديرات فترك العمل به واجب . فإن قالوا : فلعلهم اعتقدوا في ذلك الحديث تأويلا خطأ ، فلأجل ذلك التأويل الخطأ تركوا العمل به ، وعلى هذا التقدير لا يلزم من تركهم العمل بالحديث حصول ضعف فيه . قلنا : إن علماء المدينة الذين كانوا قبل مالك كانوا أقرب الناس إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأشدهم مخالطة للصحابة ، وأقواهم رغبة في الدين ، وأبعدهم عن الميل إلى الباطل ، فيبعد اتفاق جمهور علماء المدينة على تأويل فاسد . وأما إن قلنا أن علماء المدينة ليسوا بعدول ، لكان الطعن فيهم يوجب الطعن في الحديث . فثبت بهذا الطريق أن الدليل الذي ذكرناه يقتضي ترجيح عمل علماء المدينة على ظاهر خبر الواحد ، وليس هذا قولا بأن إجماعهم حجة ، بل هو قول بأن عملهم إذا كان على خلاف ظاهر الحديث أورث ذلك قدحا وضعفا في الحديث . ومما يؤيد ما ذكرناه ما روى البيهقي في كتاب مناقب الشافعي رضي الله عنه بإسناده عن يونس بن عبد الأعلى قال : ناظرت الشافعي رضي الله عنه في شئ فقال : والله ما أقول لك إلا نصحا ، إذا وجدت أهل المدينة على شئ فلا يدخلن ، قلبك شك أنه الحق ، وكل ما جال في صدرك وقوى كل القوة لكنك لم تجد له في المدينة أصلا وإن ضعف فلا تعبأ به ولا تلتفت إليه . وأقول : هذا الكلام صريح في تقرير مذهب مالك رحمه الله تعالى . وأما الاعتراض الثاني وهو أن مالكا رحمه الله إذا احتاج إلى التمسك بقول عكرمة ذكره ، وإذا لم يحتج إليه تركه ، فهذا إن صح عن مالك أورث ذلك ضعفا في روايته وفي ديانته ، ولو كان الأمر كذلك فكيف جاز للشافعي أن يتمسك بروايات مالك رحمهما الله تعالى ؟ وكيف يجوز أن يقول : إذا ذكر الأثر فمالك